الخميس، 22 أغسطس 2019

التنقيب عن تاريخ العثمانيين .. والحاجة إلى القدوة!

ينبهر البعض بسيرة السلاطين العثمانيين حين يكتشف جانبا منها، ويزداد انبهاره كلما عقد المقارنة بينها وبين واقعنا الأليم.

ولا ضير أن يتخيل المريض حال القوة، ويتطلع الفقير أحوال الغنى، والذليل حال العز، والمتأخر أحوال التفوق.. فهذه طبيعة بشرية.

وقد ينجح الإنسان في حيازة أسباب القوة، لكنه لا ينال بها إلا "رئاسة الدنيا"..
أما "الإمامة في الدين" فلا تنال إلا بطريقة المرسلين، والخلفاء الراشدين..

نعم، نجح بعض السلاطين العثمانيين في رئاسة العالم، وصحّت ولايتهم بالتغلب.. لكنهم لم يصبحوا أئمة في الدين لعدم استكمال معالم هدي النبوة في طريقتهم.

وإنما خلد التاريخ إمامة الخلفاء الراشدين لما صبروا على التمسك بسنن النبوة في حكم الواقع وسياسته.

أما من جاء بعد الخلفاء الراشدين، تجد أكثرهم إذا ذكر بتلك السيرة العطرة؛ يعارض بعقله الأوامر الشرعية ويقدم عليها ما يسميه سياسة، ويظن أن الأمور لا تنصلح إلا بهذا..

فتجد في سير السلاطين - رغم خدمتهم للإسلام وإعزازهم له - التهاون في مسألة الدماء واعتماد القتل سبيلا وحيدا للتعامل مع من يشكون مجرد شك في ولائه، أو حتى من يتوقعون في المستقبل شقاقه، فمن هذا الباب تم تبرير قتل السلاطين لأولادهم وإخوانهم بغير حق، كبارا وصغارا!

وتلاحظ في سياستهم عدم الجد في نشر الدين بين الشعوب الجديدة وتعليمه في الأقطار المفتوحة، فمهما استطالت يدك في البحث لن تقع على شعوب أسلمت بالفتح العثماني، لتقارنها بالشعوب التي أسلمت بفتوح الصحابة والأمويين مثلا، وإنما كان في العهد العثماني الاكتفاء بالفتوحات العسكرية وتحصيل الضرائب وفرض الولاء السياسي.

وللأسف كان التراخي عن تقرير اللغة العربية لغة رسمية لدولة الخلافة،
والوقوع في سن وتحكيم بعض القوانين المخالفة للشرع،
وعدم السعي لتجديد الدين برده لمصادره الأصلية وإنما غلق باب الاجتهاد واعتماد الجمود الفقهي، وتوقف الحركة العلمية عن تنقية الدين مما شابه، واعتماد "التصوف الغالي" مذهبا سلوكيا رسميا بما صاحبه من بدع وغلو وصل أحيانا للشركيات في التعبد، والحلول والاتحاد في الاعتقاد!

وكان معه انتشار الجمود الفقهي، مع الخرافات، مع الركون للدنيا والتنافس عليها.. الأمر الذي أدى لعدم القدرة على مواكبة الواقع وانتشار العالمانية في نهاية المطاف مما أدى للانهيار التام وانفضاض الجموع في الأجيال المتأخرة عن قضية الدين.

أقول هذا وأنا لا أجد أي وجه للمقارنة بين حال المسلمين في زمن أي سلطان من العثمانيين وبين حالنا اليوم..
فحتى الظروف الزمنية وموازين القوى تختلف اختلافا عظيما بين زماننا وزمانهم.

فلا يصح لنا أن نتخيل أن حاجة الأمة تتوقف عند تجييش الجيوش والإعداد العسكري وقصر أسباب التخلف عند الدنيوي منها..

ولا يجوز أن تتوقف أنظارنا عند خطى العثمانيين قدوة ودليلا..

بل نذكّر أمتنا وشبابنا أن الحل في بناء الإنسان من جديد وفق معالم هدي الأنبياء، وتجديد الدين في النفوس والمجتمع عقيدة وعلما وعملا وسلوكا، فإذا جاء البناء قام على أساس راسخ وأصل ثابت.

فإذا أردنا أن نبتعث قدوة وأسوة فلتكن بالأنبياء، وبسيرة الخلفاء الراشدين المهديين، نبرزها ونسلط الضوء عليها، لتتعلق بها الأبصار وتهفو إليها النفوس، فإنها أقوم سبيلا، وأسعد دليلا.

فخيرية الدول بعد الراشدين كان ترتيبها هو الترتيب الزمني، الأموية ثم العباسية ثم العثمانية.

هناك أناس طموحهم أن يعيشوا في حكم على منهج النبوة..
وهناك من ينزل في طموحه ليتمنى حكما كحكم بني أمية،
وهناك من ينزل درجة ليريد العباسيين..
أو درجات ليدرك من بعدهم من المماليك..
وهناك من هبط به طموحه ليتمنى أسوأ نموذج للحكم - خلال قوة المسلمين - وهو الحكم العثماني !

وهناك من انقلبت موازينه وطمست بصيرته ويرى أن ما نحن فيه أفضل من كل ما مضى !

ولكلٍّ وجهةٌ هو موليها.. وسبحان من قسّم العقول !

روى البخاري في صحيحه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
"اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم".
* وهذا من حيث الأغلب، لا العموم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق